خطيئة

أما هو؛ ابن الخباز ،

فقد أعادوه من بلاد المهجر محمولا على الأكتاف، قرؤوا القرآن، أكلوا الكسكس، شربوا الشاي والقهوة السوداء، وانتهى أمره.

وها أرى الحِدْآن تحلق  فوق رأسي، ثم تحط بالقرب مني تلتقط الفتات. تسكن حركتها بغتة، ترنو  إلي  وخلتها تقول: "إنهـــا الوليمـة!" لم أهتم بها ولا بكلامها ولبث في مكاني ساهمة... ورأيتني في عقدي الأول، أسأل بعد عودتي من المدرسة: " هل ذهبتم بالخبز إلى الفرن؟" أسمع كلمة لا... تتردد في الأرجاء، فأهرع إلى "الوصلة" أحملها بهمة فوق رأسي وأتجه صوب الفرن حثيثا، كأن محمولة على أجنحة الريح تلوي بثيابي وقلبي خِفٌّ، يطير ويحط والخبز يزِلُّ من فوق رأسي، يكاد تكويره يعوج. وحين أصل  لاهثة، أتصبب عرقا  أرمي بحملي وأظل أرقب ابن الخباز من بعيد. أتفحصه كي يغور فيَ بملامحه، حركاته وسكناته وكي يينع في برا أعجنه، ثم آكل منه ويأكل.

 يحس بنظراتي مسلطة عليه وأراه يبتسم لي، فأشعر بقشعريرة يتلاشى معها الوقت والفرن، ويضيع فيها الكلام. قشعريرة أعود بعدها إلى البيت أجتر لحظتي، وما إن يتناهى إلى سمعي: "الفرن..." حتى أرمي بكتبي وأهرع إلى الشارع صوب خبازي فقد آن أوان الكلام! أدنو منه الهوينى وأنبس: "خبزتان..." وأسمعه من دوختي يهمس بحنان : "وقرص خبز" فيتخضب خداي وأركض من أمامه، وقد أسقطت دون أن أشعر خبزي وقلبي معه..

أراني أفتت قلبي للحِدْآن، بعدما شربوا قهوته السوداء وانتهى أمري،

فأنا ، أنا الوليمة.  





* الوصلة: لوح خشبي يوضع عليه الخبز كي يذهب به إلى الفرن التقليدي.