غرف ومرايا بصيغتها الورقية

"غرف ومرايا: رجعُ وجعٍ حِيكَ برحيق الزهور


ينشطر غلاف المجموعة القصصية ( غرف ومرايا) للكاتبة المغربية لبيبة خمار خيري  إلى فضائين، مجسدا انعكاس المرايا التي تعد  فاصلا بين الذات وصورتها، و بين ظاهر النفس وباطنها.

فالجزء العلوي الأبيض يرمز إلى الغرف كمساحة خاصة ترتع فيها العزلة كما تحب و ينتعش فيها التأمل، حيث يسود  بياض الذاكرة و هدوؤها قبل أن تقتحمها الكاتبة لتقلب في خباياها.  بينما يمثل اللون الأزرق الداكن في الشطر الأسفل المرايا وأعماق الذات الدفينة؛ إذ يعكس تدرج الأزرق إلى محاكاة لعمق هذه الذات، و ولوجا إلى دهاليزها وطبقاتها المتعددة التي ترمز  إليها الخطوط. ويظهر المنحدر المتصاعد كمسار صعب الوقوف عليه،  نرى فيه طفلة تنزله بحذر  وهي تلقي نظرة على الغرف والمرايا، و على الزهور الحمراء المتناثرة على طول المنحدر؛ تماما كما هي متناثرة  في نصوص  القصص مثل قصة ( زهر النساء)، وهي  زهور تجسد الجمال الممزوج بالوجع في نفوس تتوارى  داخل غرف تعكس حكاياتها  المرايا. قد تكون الطفلة صاحبة إحداهن أو هي هنا  لتشاهد على المرايا انعكاس هذه الحكايات و تستفيد منها كي لا تذوق  هي الأخرى الوجع الذي ينزف منها.

كُتبت المجموعة  بلغة سردية جميلة وشعرية؛ حيث وظفت الكاتبة رصيدا  لغويا ثريا لسبر أعماق شخصياتها بأبعاد فلسفية وسيكولوجية. فالغرف تمثل المساحات المغلقة على الأسرار، التي  تنعكس في المرايا كمواجهة بين الذات والآخر.

تبدأ الكاتبة مجموعتها بعبارة ( إلى الموت واستعاراته، أهدي قصصي المترابطة)؛ لتفصح عن أنه رغم استقلالية كل قصة وانفصالها عن الأخرى، إلا أن هذا الإهداء يشي بترابطها. إنها كغرف متجاورة في بيت واحد؛ يفضي الخروج من إحداها إلى الدخول في الأخرى، لتمتد حكايات الغرف فيما بينها عبر أروقة المرايا.

والموت هنا ليس مجرد غياب، بل هو المرآة الأخيرة في غرفة الحياة؛ المرآة  التي تعري الإنسان و تضعه أمام حقيقته المطلقة.

هذه المجموعة القصصية الصادرة عن دار النشر ( الموجة الثقافية)، هي حكايات نساء كُتبت برحيق الزهور، مرويات غاصت في آبار الأنثى التي قيدها المجتمع فبدد أحلامها. إنها حكايات لمكاشفة الذات والآخر عبر التوظيف  الرمزي؛ إذ تناولت موضوعات كالاغتصاب، الخيانة، الجنس، الحرية، و الحب و  أشياء أخرى دون تسميتها بأسمائها المباشرة، بل عبر استعارات ذكية، كالروائح، الأزهار، البرد، الشجر، بين الفخذين ، الكرز،  ريحانة، الألم  والنشوة...

و مما يميز أسلوب الكاتبة لبيبة خمار هو الابتعاد عن الاستطراد والحشو والاعتماد على التكثيف والإيجاز، من خلال صياغة ومضات  قصصية ومشهدية تترك المجال الواسع لتأويل  القارئ. كما نوعت في استخدام ضمائر السرد بين  المتكلم والغائب،  مما كسر نمطية الحكي، و ساعد على رصد الوقائع من زوايا متعددة؛ تماما كما تتعدد  الصور وانعكاساتها على مرآة.

لقد استطاعت الكاتبة أن تنسج عملا أدبيا يوازن بين طرح الطابوهات بجمالية فكرية و أدبية، و دون تمييع لقضايا  المرأة، أو إغفال لحضور الرجل. و بذلك تفتح للقارئ أبواب  غرف حكاياتها، يدخلها لا ليتعرف  على الشخصيات ووجعها فحسب، بل ليشهد كذلك انعكاس نفسه وذاته في مرآته الخاصة، المعلقة على حائط عمره بخيط رفيع مشدود بين الحياة و الذاكرة والموت.

                              مريم أبوري


غرف ومرايا، قصص مترابطة للدكتورة لبيبة خمار